محمد راغب الطباخ الحلبي

154

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

يغفره اللّه بتوبتك إليه فإنه كريم » . وكان ذلك بعد أن انصرفنا من خدمته ، ومضى من الليل ما شاء اللّه أن يمضي ، وهذا ما أمكنني حكايته وضبطه ، ولم يزل بين يديه إلى قرب السحر ، ثم أذن له في الانصراف ونهض له ليودعه فقبل وجهه ومسح على رأسه وانصرف في دعة اللّه ونام في برج الخشب الذي للسلطان ، وكنا نجلس عنده في الأحيان إلى بكرة ، وانصرفت في خدمته إلى بعض الطريق وودعته وسار في حفظ اللّه اه . ثم قال بعد ذلك : وعاد السلطان بعد الفراغ من تصفح أحوال القلاع الساحلية بأسرها إلى دمشق ، وكان دخوله إليها في السادس والعشرين من شوال . سنة 589 ذكر وفاة السلطان صلاح الدين رحمه اللّه تعالى كان ابتداء مرضه سادس عشر صفر . وذكر القاضي ابن شداد في السيرة الصلاحية تفاصيل ذلك ( ثم قال ) : وكانت وفاته بدمشق بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة . ولما وصل القارئ الذي كان يقرأ عنده إلى قوله تعالى لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ تبسّم وتهلل وجهه وسلمها إلى ربه . وكان يوما لم يصب الإسلام والمسلمون بمثله منذ فقدوا الخلفاء الراشدين ، وغشي القلعة والبلد والدنيا من الوحشة ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى . وباللّه لقد كنت أسمع من بعض الناس أنهم يتمنون فداءه بنفوسهم ، وما سمعت هذا الحديث إلا على ضرب من التجوز والترخص إلا في ذلك اليوم ، فإني علمت من نفسي ومن غيري أنه لو قبل الفداء لفدي بالنفس . ثم جلس ولده الملك الأفضل للعزاء في الإيوان الشمالي وحفظ باب القلعة إلا عن الخواص والأمراء والمعممين ، وكان يوما عظيما ، قد شغل كل إنسان ما عنده من الحزن والأسف والبكاء والاستغاثة في أن ينظر إلى غيره ، وحفظ المجلس عن أن ينشد فيه شاعر أو يتكلم فيه فاضل وواعظ . ثم اشتغل بتغسيله وتكفينه ، فما أمكننا أن ندخل في تجهيزه ما قيمته حبة واحدة إلا بالقرض حتى في ثمن التبن الذي يلت به الطين . وغسله الدولعي الفقيه ، ونهضت إلى الوقوف على غسله ولم تكن لي قوة تحمل ذلك المنظر . وأخرج بعد صلاة الظهر في تابوت مسجى بثوب فوط ، وكان ذلك وجميع ما أحتاج إليه من الثياب في تكفينه قد أحضره القاضي الفاضل من وجه حل عرفه ، وارتفعت الأصوات عند مشاهدته